back to top
07 فبراير 2026

من سيأتي بعدنا؟

تابع القراءة

حدمين مولود سعيد


مدريد (ECS)— أنتمي إلى جيلٍ وُلد وترعرع، بحكم لحظة تاريخية لا تتكرر، في حضن ثورة 20 ماي الصحراوية نفسها. لسنا بصدد حكايات موروثة أو ذاكرة مُعاد تركيبها، بل نتحدث عن تجارب معيشة. تلك التجارب، لا الخطب ولا الشعارات، هي التي صاغت شخصيتنا، ونظرتنا إلى العالم، وحاضرنا، وأفقنا المستقبلي.

إلى أين تتجه جبهة البوليساريو؟

أغاني أم دليلة الثورية لا تصل اليوم إلى كل الآذان بالحدة نفسها. في آذان جيلنا ما تزال نداءً. أما في آذان الأجيال التي وُلدت بعد وقف إطلاق النار فهي مجرد صدى باهت، إن لم تكن ضجيجاً غريباً. الصور المهزوزة، ضعيفة الجودة تقنياً لكنها كثيفة الدلالة رمزياً، لأول المقاتلين الصحراويين، لا تُحدث الرجّة نفسها في نفوس من نشأوا في ظلها، كما في نفوس من جاؤوا لاحقاً، في زمن الإدارة والانتظار والجمود.

لم نُربَّ فقط: وُسِمنا. وُسِمنا بكيٍّ مادي وأخلاقي، لا تزول آثاره، لأنه لم يُفرض من الخارج، بل اعتُنق كقدر جماعي. بالنسبة لنا لم تكن الثورة مرجعاً تاريخياً، بل كانت إطار حياة، وحدّاً فاصلاً، وقانون انتماء.

أما الأجيال التي جاءت بعد وقف إطلاق النار، ففي أي بيئة تربّت؟ تحت أية توترات حقيقية صيغ وعيها؟ وفي أية شروط سياسية واجتماعية وأخلاقية نشأت؟ أي قيم تلقّتها من مجتمع المنفى الصحراوي؟ أقيم التضحية والانضباط الثوري؟ أم التطبيع مع الانتظار الدائم؟ أم مركزية المشروع الجماعي؟ أم التكيف الفردي كآلية بقاء؟ أم فكرة التحرير؟ أم إدارة بيروقراطية لقضية مجمّدة؟

الفارق ليس بيولوجياً ولا عاطفياً، بل تاريخي وسياسي

ومادام هذا الشرخ الجيلي لا يُسمّى بوضوح، ويُتظاهر بوجود استمرارية حيث توجد قطيعة، فإن الشعب الصحراوي سيواصل خسارة شبابه، ومعه خيط وعيه الثوري.

طوال عقود، أرسل الشعب الصحراوي أفواجاً متتالية من شبابه إلى الخارج. لم تكن تلك الهجرة مجرد انتقال بشري، بل كانت فعلاً سياسياً، ومنفى واعياً ذا معنى. وقد حالت عاملان أساسيان دون ذوبان تلك الأجيال وطنياً وإيديولوجياً.

أولاً، كانت بلدان الاستقبال تتقاسم، في جوهرها، لغة سياسية منسجمة مع قيم ثورة 20 ماي: التحرر، حقوق الشعوب المظلومة، وشرعية حركات التحرر. لم يدخل الشباب إلى فضاءات معادية لقضيتهم، بل إلى بيئات تعترف بها.

ثانياً، نجح جبهة البوليساريو في بناء هيكل تنظيمي حقيقي وحيوي، حافظ على صلة دائمة بين الخارج والمخيمات. لم يكن المهاجر متروكاً لمصيره ولا مقطوعاً عن جماعته السياسية.

اليوم، المشهد مختلف جذرياً — ومقلق بعمق

الأجيال التي تهاجر اليوم لا تنطلق من فضاء منظم سياسياً، بل من حيّز مُنهَك، أُفرغ بفعل الوعود المتكررة، والخطابات المجترة، والانتظار العقيم. من أي أرض يرحلون حقاً؟ من مخيمات مُنظمة؟ من حملات محو الامية، من مهرجانات الشباب، مسابقات الشباب؟ أم من كيان إداري فارغ قائم بالقصور الذاتي؟

لقد تحولت ظروف المخيمات، بدل أن تتحسن، إلى عامل طرد جماعي: هشاشة مزمنة، تبعية مهينة للمساعدات، انسداد اقتصادي، وجمود سياسي. في هذا السياق، لم تعد الهجرة خياراً استراتيجياً، بل فراراً صامتاً.

والأخطر ليس الرحيل في حد ذاته، بل ما يحمله الراحلون معهم

بأي درع أخلاقي وسياسي وإيديولوجي تتسلح الأجيال ما بعد وقف إطلاق النار لعبور تجربة الهجرة؟ فالهجرة دون مشروع ليست هجرة، بل تخلٍّ.

وحين يكون منطلق الرحيل باهتاً، فقيراً في الأفق، منزوع الملحمة، فبأي قيم سيسافرون؟ وبأية سرديات حين لا يكون الماضي بطولياً بل إدارياً؟

يكفي التجول في شبكة مجموعات واتساب الصحراوية لاكتشاف حقيقة مُحرجة: الماضي حي، لكن فقط في نفوس من عاشوه.

“أكروب تلاميذ تيقنيفت (الجزائر 1978)، أكّروب الكتيبة الخامسة (تفودارت 1975)، أكّروب القسم 12، مدرسة في جزيرة الشباب، (كوبا 1988)، أكّروب بنات بنغازي (ليبيا 1978)، أكّروب الأمناء السياسيون (1981)، أكّروب ال 66 (مجموعة ال 66 اسرى الحرب)، أكّروب البحرية… يمكن للمرء أن يقضي أياماً كاملة وهو يستعيد سنوات ازدهار الثورة.

أمر طبيعي. لقد نشأنا في تلك الطبيعة: في مدارس 9 يونيو و12 أكتوبر، في كوبا والجزائر وليبيا، في جبهات القتال، أو في التنظيم السياسي داخل المخيمات. كانت تنشئتنا سياسية، ونمونا جماعياً، وذاكرتنا كثيفة. لقد نشأنا، ولماذا ننكر ذلك، بكل فخر واعتزاز، كبرنا ونحن نشاهد ابائنا وإخوتنا يعودون من مختلف جبهات القتال، من باسكنو، ودان، قصر الطرشان، الوركّزيز، لبيرات، السمارة، بير لحلو، كّلتة زمور، طاطا، محاميد الغزلان…

السؤال الذي لا أحد يجرؤ على طرحه هو: ما هي المجموعات الواتسابية التي ستوجد بعد ثلاثين سنة؟ مجموعات عن ماذا؟ عن أية تجربة مشتركة؟ عن أية ملحمة منقولة؟

أين هي اليوم الفضاءات التي يُصاغ فيها وعي الأطفال في المخيمات؟ في أي أمكنة يضحكون، ويبكون، ويتمرّدون، ويتعرّفون على أنفسهم؟ تحت أية توترات يتعلمون الانتماء لما هو أكبر منهم؟

لأن طفولة تُدار بالندرة، ومراهقة تُربَّى على الانتظار، وشباباً لا يرى أمامه سوى الهجرة الفردية، لا يُنتج جيلاً ما بعد وقف إطلاق النار، بل جيلاً ما بعد المشروع. ولا شعب ينجو من ذلك.

لماذا لا يحدث التغيير داخل جبهة البوليساريو؟

عند النظر إلى واقعنا الصحراوي الراهن، لا باعتباره وضعاً عابراً بل مساراً تاريخياً ممتداً، يتّضح أن ما نعيشه اليوم ليس حالة جمود مؤقتة، بل عملية تفكك بطيئة تُدار زمنياً وسياسياً. المجتمع الصحراوي لم يدخل هذه المرحلة بسبب هزيمة عسكرية فاصلة، بل بفعل الاستنزاف اليومي المنظّم، حيث غاب المشروع السياسي الفعلي، وانسدّ الأفق، وتحوّل الانتظار إلى نمط حياة دائم. لم يُعلن الفشل السياسي صراحة، لكنه أصبح واقعاَ مُداراً عبر الخطاب، وعبر المؤسسات، وعبر تأجيل الزمن بلا نهاية.

في هذا السياق، نشأت الأجيال الصحراوية التي وُلدت بعد وقف إطلاق النار في بيئة مختلفة جذرياً عن تلك التي طبعت جيل الثورة. الكبار يحملون ذاكرة مرحلة كان فيها الفعل الثوري مركز الوجود، وكانت التضحية مرتبطة بأفق تحرّري واضح. أمّا الأجيال اللاحقة، فقد تربّت في فضاء تُدار فيه القضية كملف، وتُختزل الوطنية في الشعارات، ويُستبدل فيه الفعل السياسي بإدارة يومية للبقاء. ما يُنقَل بين الأجيال لم يعد رؤيةً سياسية متكاملة، بل حالة عطالة سياسية غير مُسمّاة، تُسوَّغ بخطاب الواقعية أو تُبرَّر بتعقيدات السياق الدولي.

هذا الواقع يعيد إلى ذهني ما وصفه المُفكر البريطاني طارق علي في «في ظلّ شجرة الرمان»، حول الاندلس في أواخر القرن الخامس عشر، لا بوصفه تشبيهاً أدبياً، بل باعتباره توصيفاً لآليات متطابقة: مجتمع مهزوم يُترك ليتآكل من الداخل، حيث لا تُمارَس السلطة عبر القمع المباشر فقط، بل عبر تفريغ المعنى، وتحويل الهوية إلى شأن خاص، وإقصاء السياسة من حياة الناس اليومية. كما في الأندلس ما بعد السقوط، لم يعد الخطر الأساسي خارجياً فحسب، بل داخلياً؛ انتقال تدريجي من المقاومة إلى التكيّف، ومن التكيّف إلى الصمت، ومن الصمت إلى القبول بالأمر الواقع.

في هذا الإطار، تتحوّل الهجرة الصحراوية المعاصرة إلى جزء بنيوي من هذا المسار. فهي لم تعد هجرة منظّمة في سياق مشروع وطني جامع، ولا امتداداً سياسياً واعياً، بل خياراً فردياً يُتَّخذ داخل فضاء فقد وضوحه ومعناه. يهاجر الشباب وهم بلا درع فكري، أيديولوجي أو سياسي يحميهم من الذوبان، لا لسبب قصور ذاتي منهم، بل لأن البيئة التي نشأوا فيها لم تعد تُنتج تلك الأدوات. لأنهم لم يُعَدّوا ليكونوا امتداداً لمشروع، بل نشأوا في ظل انسداده. وحين تُفرَغ الهوية من بعدها السياسي، لا يبقى منها سوى الحنين والفولكلور، وحين يُحبس المشروع الوطني في إدارة دائمة للأزمة، تتحوّل الهوية من أداة مقاومة إلى عبء عاطفي.

السؤال هنا لم يعد سؤالاً نظرياً أو أخلاقياً، بل سؤال وجود تاريخي: إلى متى يمكن لشعبٍ أن يستمرّ وهو موجود جسدياً، لكن منزوع القرار، محروم من القدرة على المبادرة التاريخية، ومُفرَّغ من مشروعه الجماعي ومُقيد بأفق مؤجل؟ إن ما نعيشه اليوم ليس قدراً محتوماً، بل نتيجة مسار سياسي طويل لم يُراجَع بجرأة. ومادام هذا المسار مستمراً والمراجعة غائبة، فإن الخطر الحقيقي لا يكمن في الخسارة الآنية، بل في توريث العجز جيلاً بعد جيل، وتحويل الفشل إلى حالة طبيعية لا تستدعي الفعل. ولا مجتمع قادر على الاستمرار طويلاً في مثل هذه الشروط.

وختاماً، ليس الألم الحقيقي في خسارة معركة، ولا حتى في خسارة قضية. بل الألم الحقيقي في توريث عبء للأجيال القادمة دون منحهم فرصة لمواجهته.

دعم الصحافة الحرة

إن كرمكم يمكّننا من النهوض بمهمتنا والعمل من أجل مستقبل أفضل للجميع.

تركز حملتنا على تعزيز العدالة والسلام وحقوق الإنسان في الصحراء الغربية. نحن نؤمن بشدة بأهمية فهم أصل هذا النزاع وتعقيداته حتى نتمكن من معالجته بفعالية والعمل على إيجاد حل يحترم حقوق وكرامة جميع الأطراف المعنية.

إن كرمكم ودعمكم ضروريان لعملنا.
بمساعدتكم، يمكننا أن نرفع أصواتنا ونرفع الوعي بالوضع في الصحراء الغربية ونقدم المساعدة الإنسانية لمن يحتاجها وندعو إلى حل سلمي وعادل للنزاع.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع القراءة

آخر الأخبار