back to top
30 يناير 2026

جبهة البوليساريو تفشل في تجديد الخطاب وتظل حبيسة سرديات قديمة لا تتماشى مع التحولات القائمة

تابع القراءة

مدريد (ECS) – في غياب سردية متجددة، أصبحت الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية شبه غائبة عن الفضاء الإعلامي والدبلوماسي الدولي، وهو الفراغ الذي استغله المغرب منذ التسعينيات لترسيخ ونشر سرديته حول الصحراء الغربية بشكل مؤسسي ومتواصل. ومع أن الحق القانوني والسياسي يقف إلى جانب الصحراويين، فإن خطاب القانون الدولي مطالب اليوم بالتطور لمواكبة القضايا العالمية الجديدة، واستقطاب أصوات جديدة، تشمل التغير المناخي، والهجرة، والمساواة بين الجنسين، والأمن الإقليمي، وحقوق الإنسان، وملف الشباب الصحراوي الذي يشكل أكثر من 60% من سكان المخيمات وأقاليم الصحراء المحتلة.

وزارة الخارجية الصحراوية: فشل بنيوي و استراتيجي في إدارة الجالية والبعثات الدبلوماسية

الفراغ الإعلامي وأثره

لقد أدت هذه الغيابات إلى ابتعاد حلفاء محتملين، خصوصًا الدول الأوروبية الصغيرة والدول الأفريقية غير المتورطة مباشرة في النزاع، وكذلك الرأي العام الدولي. فقد أصبح من السهل ربط القضية الصحراوية بإيديولوجيات سياسية وشخصيات مثيرة للجدل، ما أضعف الانخراط الدبلوماسي والإعلامي للقضية، وأدى إلى تهميشها عن المشهد العالمي. تشير تقديرات عددية إلى أن التغطية الإعلامية للقضية الصحراوية في الصحف العالمية الكبرى لم تتجاوز 5% مقارنةً بما تنقله نفس الوسائل عن النزاعات الإقليمية الأخرى في شمال إفريقيا خلال العقدين الماضيين، وهو فارق يعكس خللاً كبيرًا في استراتيجية التواصل الدولي.

وقد اختفت القضية الصحراوية بشكل ملحوظ من الإعلام الدولي، إذ تراجعت مشاركة السياسيين والدبلوماسيين الصحراويين في الظهور الإعلامي، والمقابلات، والمنشورات الدولية. وأصبح هذا الفضاء الإعلامي شبه محصور بعشرات النشطاء والصحفيين الصحراويين الذين لا يتلقون دعمًا رسميًا أو إستراتيجية معينة، رغم الدور الكبير الذي يقومون به في نشر القضية والمقاومة الإعلامية الرقمية. تشير بيانات غير رسمية إلى أن عدد الصحراويين النشطين عبر وسائل التواصل الاجتماعي قد تجاوز 10,000 ناشط، إلا أن غياب التنسيق والاستراتيجية الموحدة جعل تأثيرهم محدودًا.

غياب الاستراتيجية الرقمية

لا توجد استراتيجية رقمية واضحة، ولا حتى حضور حكومي فعال على مختلف منصات التواصل الاجتماعي مثل تويتر، فيسبوك، وإنستغرام، وهي أدوات أصبحت ضرورية لإبراز النزاع الدولي، خصوصًا في ظل سيطرة خوارزميات هذه المنصات على وصول الرسائل إلى ملايين المستخدمين. تشير تقديرات متخصصة إلى أن المغرب ينفق مئات الملايين من الدولارات سنويًا على الإعلام الرقمي والدبلوماسية العامة، بينما لم تخصص جبهة البوليساريو سوى جزء ضئيل من ميزانيتها المحدودة لهذا المجال، ما يعكس فجوة استراتيجية كبيرة.

كانت هذه المهمة يفترض أن تُنسق بشكل مشترك بين وزارة الشؤون الخارجية ووزارة الإعلام الصحراوية، إلا أن الغياب المؤسسي أدى إلى فقدان فرص عديدة، بما في ذلك المبادرات الرقمية المستقلة التي يمكن أن تصل إلى أكثر من 5 ملايين متابع سنويًا على المنصات المختلفة.

بشكل غير مفهوم، لا تزال سياسة اللوبي الصحراوي حبيسة منطق التضامن الإنساني والإيديولوجي، ولم تتطور نحو مقاربة إعلامية أكثر فاعلية ونشاطًا، قادرة على إدراج القضية الصحراوية ضمن الأجندة العالمية لحقوق الإنسان، ومكافحة الاستعمار، والجيوسياسة الإفريقية والدولية. ومن أبرز الأمثلة، فشل الحملات الصحراوية في أوروبا خلال العقد الأخير في فرض القضية ضمن جدول أعمال البرلمان الأوروبي، رغم وجود أكثر من 30 لجنة وبرنامج تتعلق بحقوق الإنسان والقانون الدولي، والتي كان من الممكن أن تشكل منصات فعالة لتوسيع التأثير.

إن غياب أدوات إعلامية متطورة، مثل البث المباشر، البودكاست، الرسوم البيانية التفاعلية، والمحتوى المرئي القصير، يجعل الرسائل السياسية معقدة ومبعثرة، ويمنع جمهور الشباب العالمي من التفاعل مع القضية.

منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار عام 1991، شهدت القضية الصحراوية تراجعًا متدرجًا في الحضور الدولي، رغم أن الأمم المتحدة اعترفت بالجمهورية الصحراوية بشكل غير مباشر من خلال بعثة المينورسو، التي تجاوزت ميزانيتها 50 مليون دولار سنويًا وتضم أكثر من 300 موظف في الصحراء الغربية والمخيمات. ورغم هذه البنية الدولية، لم تتمكن جبهة البوليساريو من استخدام هذا الحضور لصالح بناء سردية متماسكة ومؤثرة، بينما نجح المغرب في استغلال اتفاقيات اقتصادية ودبلوماسية، مثل اتفاقيات الصيد البحري والزراعة مع الاتحاد الأوروبي، لتعزيز نفوذه الدولي.

دور وزارة الخارجية

وزارة الخارجية الصحراوية تخوض حربًا مفتوحة في ظل فقدان متسارع للحلفاء، لا ينبغي لها أن تقتصر على الدبلوماسية التقليدية؛ إذ يتحول دورها إلى أداة محورية لبقاء الدولة، بأدوار تتراوح بين التحسيس الدولي والمفاوضات التكتيكية الحساسة. و القدرة على التكيف، وبناء تحالفات جديدة، والتأثير على السياسات الإقليمية والدولية، حاسمة في مسار النزاع. تشير التقديرات إلى أن فقدان 20–25% من الدعم التقليدي للدول الأفريقية والإقليمية خلال العقد الأخير يرجع بشكل جزئي إلى ضعف الاستراتيجية الإعلامية والدبلوماسية لجبهة البوليساريو.

أكثر من 60% من سكان المخيمات هم من الشباب، الذين يمثلون عنصر قوة محتملًا لو تم توجيههم عبر برامج إعلامية رقمية وتدريب على مهارات الاتصال الدولي. ورغم وجود قاعدة واسعة من الصحفيين الناشطين في بلدان متعددة مثل إسبانيا، فرنسا، الجزائر والمغرب، فإن غياب التمويل والتنسيق يعيق نشر الرسائل بشكل مؤثر، ويترك السيطرة على السردية للمغرب، الذي يمتلك شبكة إعلامية واسعة وممولة بمئات الملايين من الدولارات سنويًا، مع قدرة على الوصول إلى ملايين القراء والمتابعين حول العالم.

في الحالة الصحراوية، فإن أوجه القصور المتراكمة لأكثر من ثلاثين عامًا أدت إلى عزل القضية الوطنية وجعلها بلا تأثير يُذكر. ومن أبرز هذه القصور: غياب استراتيجية إعلامية رقمية، ضعف اللوبي السياسي، نقص التمويل، وعدم القدرة على التواصل مع الشباب. وعليه، لا يمكن الادعاء بأن معركة السردية قد حُسمت، بينما يحقق المغرب مكاسب واضحة في السيطرة على الرواية الدولية حول الصحراء الغربية. هذه المعطيات تشير إلى أن أي نهج مستقبلي لجبهة البوليساريو يجب أن يركز على بناء استراتيجية إعلامية رقمية شاملة، تدريب الصحفيين، توظيف أدوات حديثة للتواصل، وخلق تحالفات دولية قوية ضمن المجتمع المدني والسياسي الدولي، من أجل إعادة القضية الصحراوية إلى صدارة المشهد الدولي.

دعم الصحافة الحرة

إن كرمكم يمكّننا من النهوض بمهمتنا والعمل من أجل مستقبل أفضل للجميع.

تركز حملتنا على تعزيز العدالة والسلام وحقوق الإنسان في الصحراء الغربية. نحن نؤمن بشدة بأهمية فهم أصل هذا النزاع وتعقيداته حتى نتمكن من معالجته بفعالية والعمل على إيجاد حل يحترم حقوق وكرامة جميع الأطراف المعنية.

إن كرمكم ودعمكم ضروريان لعملنا.
بمساعدتكم، يمكننا أن نرفع أصواتنا ونرفع الوعي بالوضع في الصحراء الغربية ونقدم المساعدة الإنسانية لمن يحتاجها وندعو إلى حل سلمي وعادل للنزاع.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع القراءة

آخر الأخبار