إفتتاحية | تحليل | شمال إفريقيا – الصحراء الغربية
مدريد (ECS).— بعد مرور خمسين عاماً على تأسيسها، تمرّ جبهة البوليساريو بأزمة مؤسساتية عميقة، ذات تداعيات خطيرة على الأمن الداخلي، والاستقرار السياسي، و الاستمرارية لحركة تحرير تمثل شعب بأكمله. ويتجلى التآكل التدريجي لشرعيتها في غياب آليات التداول على السلطة، و في تركّز القرار بيد نخبة قيادية تاريخية منغلقة على ذاتها و غير قابلة للمساءلة، إضافة إلى اتساع الفجوة بين حركة تحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب وقواعدها الشعبية.
إن استمرار النموذج السياسي الحالي داخل جبهة البوليساريو، القائم على ديمومة “الحرس القديم” في السلطة، يشكّل خطراً حقيقياً على القضية الصحراوية، ليس فقط من زاوية فقدان الشرعية، بل بوصفه تهديداً مباشراً لبقائها البنيوي. فشروط الانقسام الداخلي والانهيار المؤسسي باتت قائمة، مع ما قد يترتب على ذلك من عواقب وخيمة. ولا سبيل لتفادي المسار التصادمي الذي تسلكه القيادة الحالية إلا عبر إصلاح عميق يعيد توجيه البوصلة و يأخذ بالحسبان التغيرات التي تعصف بعالم اليوم.
تراجع دبلوماسية البوليساريو: من الفعل السياسي إلى وهم الإنجاز
الشعب الصحراوي يدفع فاتورة فشل قيادة غير مسؤولة و يدفع شبابه ثمن ذالك
طوال سنوات عديدة، بل لعقود تزيد على الثلاثة، تحمّل الصحراويون بصمت، وبأقصى درجات التعقّل وحسن النية، ومن أجل مصلحة قضيتهم، القرارات المتخبطة والتصرفات غير المسؤولة لقيادتهم، غير أنهم اكتشفوا بخيبة أمل أن تلك القيادة لا تتعلم من أخطائها. تعيش قيادة جبهة البوليساريو وضعاً معقّداً إلى حد يستحيل معه بلورة خط عمل واضح أو استشراف المستقبل، نتيجة العجز، والتيه، وانعدام الإرادة، وضعف التكوين، لدى أعضاء متحصنين في مناصب تحولت، على نحو مأساوي، إلى وسائل عيش حتى و إن كانت غير شرعية.
وإن كانت الأزمة الراهنة ناتجة جزئياً عن التصادم بين ركيزتين أساسيتين في النزاع، هما القانون الدولي والواقعية السياسية، فإن قرارات وممارسات قيادة جبهة البوليساريو أبعدتنا أكثر عن الاستقلال، وأضعفتنا سياسياً إلى حدود الشلل.
مع التوقيع المربك على اتفاق وقف إطلاق النار، أُغلق فصل وبدأت الأزمة تتسلل ببطء. ارتُكبت ثلاثة أخطاء استراتيجية جسيمة: أولها قبول وقف إطلاق النار مع عدو في ظرف كان مواتياً كلياً لمصالح الشعب الصحراوي. ثانيها القبول بالاستفتاء كحل لاحتلال عسكري دموي، مانحين المغرب حقاً زائفاً في نزاع غير مشروع. أما الخطأ الثالث، والأشد فتكاً بعواقبه، فتمثّل في عدم استئناف الكفاح المسلح بعد انقضاء المهلة المحددة لإجراء الاستفتاء سنة 1992، إذ كان وقف إطلاق النار مشروطاً بذلك. أخلّ المغرب والأمم المتحدة بالتزاماتهما تجاه الشعب الصحراوي والمجتمع الدولي، غير أن جبهة البوليساريو لم تستأنف القتال، واكتفت بالتحذير، وهو ما فُسّر ضعفاً، لتبدأ مرحلة الجمود و الثراء التي ما زالت مستمرة حتى اليوم.
منذ تأسيسها في 10 مايو/أيار 1973، لم تعرف جبهة البوليساريو أزمة مؤسساتية تهدد سلطتها ونفوذها كما هو الحال في السنوات الأخيرة، حتى خلال أحلك سنوات القمع في ظل النظام المغربي. فمخططات الرباط ومؤامراتها السياسية المتعاقبة لم تُقوّض مستقبل ووجود الشعب الصحراوي كما فعلت الإدارة الكارثية الحالية على مختلف المستويات. وبعد خمسين عاماً، ومع بقاء المجموعة القيادية ذاتها في مواقعها، تبدو الجبهة اليوم ذابلة وغير قابلة للتعرّف؛ فقد تآكلت مصداقيتها، وقدرتها على التعبئة، ونفوذها، و تعاطف المجتمع والدولي معها، نتيجة ممارسات طائشة تحجّرت مع تعطيل التداول على السلطة من قبل من حوّلوا قضية وطنية إلى مشروع شخصي.
اليوم، وبمرارة، يمكن الجزم بأن جبهة البوليساريو أهدرت معظم مكاسب العقود الماضية، رغم احتفاظها بالقيادات نفسها، التي تجاوز كثير منها الثمانين من العمر، والتي ناضلت يوماً نضالاً قل نظيره لتحقيق تلك المكاسب. إن غياب برنامج سياسي، وخارطة طريق واضحة، واستراتيجية محددة، مع العجز الظاهر في لحظة مصيرية تمر بها القضية الصحراوية، كلها عوامل تكشف بوضوح المسؤولين الحقيقيين عن هذا الوضع المتردي.
المؤتمر السادس عشر: القشة التي قصمت ظهر البعير
انعقد المؤتمر السادس عشر لجبهة البوليساريو في يناير/كانون الثاني 2023، وهو الأول خلال ما سُمّي بالحرب الثانية، وقد جرى في ظل خطاب تعبوي يركّز على المواجهة مع المغرب والوحدة الوطنية. ومع ذلك، شعر كثير من الصحراويين باليتم السياسي بعد صدور نتائجه. ويُظهر أرشيف مؤتمرات الجبهة نمطاً ثابتاً: خطاب قومي متشنج قبل المؤتمر وخلاله، ثم ممارسات تناقضه جذرياً بعد انتهائه. غير أن التوقعات كانت مرتفعة هذه المرة، في ظل الظروف القائمة، لحدوث “صدمة تصحيحية”. لكن ما حدث كان العكس تماماً؛ إذ عمّت مشاعر الاستسلام وخيبة الأمل والعجز مئات البيوت والخيام الصحراوية في المخيمات، والأراضي المحتلة، والشتات، بعدما تبيّن أن وعود التغيير التي أطلقها الأمين العام، السيد براهيم غالي، لم تكن سوى كلام للاستهلاك، كما يقول المثل: “الوعود لا تُلزم إلا من يصدقها”.
وبعد إعلان القوائم، اتضح أن “التغيير” لم يكن سوى حلقة جديدة من تدوير الوجوه ذاتها، بل وإعادة إحياء شخصيات سياسية محدودة الشرعية والفائدة إضافة إلى أسماء أتت بها القرعة القبلية. وبعد مرور ثلاث سنوات على هذا المؤتمر، لا تكاد تُذكر نتائجه على أرض الواقع، بل العكس؛ هناك أزمة كبيرة حتى على مستوى هرم السلطة.
يُطرح هنا سؤال جوهري: هل المؤتمر مؤتمر شعب أم مؤتمر أشخاص؟ تبرز في الأفق إشكاليتان أساسيتان: دورية الانعقاد، والخلل الديمقراطي في نظام الانتخاب.
جبهة البوليساريو تفشل في تجديد الخطاب وتظل حبيسة سرديات قديمة لا تتماشى مع التحولات القائمة