✍️ أحمد عمر
مدريد (ECS).— سلّطت قضية «موروكو غيت» (Morocco Gate) الضوء مجدداً على الممارسات المشبوهة والفساد الممنهج الذي يعتمد عليه المغرب لترسيخ احتلاله للصحراء الغربية. غير أن ما كُشف حتى الآن لا يمثل سوى جزء محدود من استراتيجية أوسع وأكثر تعقيداً، جرى بناؤها بعناية وعلى مدى سنوات. فالمغرب، بحسب معطيات متعددة، لا يكتفي برشوة سياسيين أوروبيين، بل يتهم أيضاً بالتجسس على رؤساء دول وابتزازهم. وهي ممارسات تبتعد عن مفهوم الدبلوماسية التقليدية، لتميل أكثر إلى أساليب تُنسب إلى منظمات مافيوية، لا إلى دولة يُفترض أنها تحترم الشرعية الدولية.
تسريبات كريس كولمان: تمهيد لفضيحة «بيغاسوس»
قبل سنوات من تفجر فضيحة برنامج التجسس «بيغاسوس»، كشفت تسريبات الهاكر كريس كولمان، في منتصف العقد الماضي، عن ملامح استراتيجية مغربية وُصفت بـ«القذرة». فقد سرّب كولمان مئات الوثائق الداخلية لوزارة الشؤون الخارجية المغربية، مظهراً كيف كانت الرباط تتلاعب بمسؤولين في الأمم المتحدة، وبسياسيين ودبلوماسيين في عدة دول.
وأظهرت الوثائق اعتماد استراتيجية محورية قوامها الرشوة والضغط والابتزاز. إذ لم يتردد المغرب، وفق تلك التسريبات، في استخدام مختلف الوسائل لضمان دعم فاعلين دوليين لمواقفه بشأن الصحراء الغربية، بما في ذلك توثيق مدفوعات لمسؤولين رفيعي المستوى في منظمات دولية، ومحاولات التأثير على قراراتهم وتصريحاتهم العلنية. وقد شكّلت تلك التسريبات دليلاً واضحاً على كيفية توظيف المال والخوف في تشكيل مواقف سياسية دولية، وسط صمت دولي لافت.
فضيحة «بيغاسوس»
ورغم الضرر الذي لحق بصورة المغرب عقب تسريبات كولمان، فإن فضيحة «بيغاسوس» وسّعت نطاق الاتهامات بشكل غير مسبوق. فباستخدام هذا البرنامج، وبالتعاون مع إسرائيل، وُجهت اتهامات للمغرب بالتجسس على قادة بارزين، من بينهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، وهما شخصيتان لعبتا أدواراً مؤثرة في السياسة الأوروبية، وأبدتا مواقف اعتُبرت متقاربة مع الطرح المغربي في ملف الصحراء الغربية.
وقد أثارت هذه المعطيات تساؤلات جدية حول ما إذا كانت بعض المواقف السياسية قد تأثرت بإمكانية التعرض للضغط أو الابتزاز. ولم يقتصر نطاق التجسس، بحسب التقارير، على القادة السياسيين فحسب، بل شمل أيضاً صحفيين، ونشطاء، ومدافعين عن حقوق الإنسان، في محاولة للسيطرة على السردية المتعلقة بالصحراء الغربية وإسكات الأصوات المعارضة. ويصف منتقدو هذه الممارسات هذا النمط من التحكم بأنه أقرب إلى سلوك «دولة مافيوية» منه إلى دولة تبحث عن حل سياسي مشروع لنزاع دولي.
مسرحية القنصليات
تُعد إقامة «قنصليات» في مدن محتلة من الصحراء الغربية، مثل العيون والداخلة، ركناً أساسياً آخر في ما يُعرف بـ«الدبلومافيا» المغربية. فعلى المستوى الشكلي، تُقدَّم هذه القنصليات باعتبارها دليلاً على اعتراف دولي، غير أن منتقدي هذه الخطوة يرون أنها مجرد مسرحية دبلوماسية تفتقر إلى أي مضمون عملي.
ويُستشهد في هذا السياق بفتح قنصليات من قبل بعض دول منظمة شرق الكاريبي (OECO). إذ لا تربط هذه الدول، وفق المنتقدين، أي جاليات أو مصالح اقتصادية أو استراتيجية بالصحراء الغربية، كما تفتقر في الأصل إلى الإمكانيات اللوجستية لتسيير بعثات قنصلية فاعلة. ويُقال إن المغرب يتكفل بتكاليف السفر والإقامة، بل ويتهم بتقديم حوافز مالية لدبلوماسيين، بهدف الإبقاء على صورة دعم دولي شكلي. أما مقار هذه «القنصليات»، فهي في الغالب عقارات خاصة مستأجرة، ذات طابع رمزي محض.
استراتيجية «الدبلومافيا» المغربية في الصحراء الغربية: أدوات النفوذ وحدود الدبلوماسية
في المحصلة، يرى منتقدو السياسة المغربية أن ما يجري يتجاوز بكثير أي تصور للدبلوماسية المشروعة. فالجمع بين التجسس، والرشوة، والابتزاز، أدى – بحسب هذه القراءة – إلى إنشاء شبكة نفوذ عابرة للحدود، تسعى إلى فرض اعتراف باحتلال يُعد غير شرعي بموجب القانون الدولي.
ولا تقتصر هذه الشبكة، وفق ما يُطرح، على أوروبا وحدها، بل تمتد إلى إفريقيا، وأميركا اللاتينية، وآسيا، وحتى أستراليا ونيوزيلندا، في محاولة لترسيخ واقع يتعارض مع مبدأ تقرير المصير، أحد الركائز الأساسية للقانون الدولي.
يخلص هذا الطرح إلى دعوة المجتمع الدولي للتحرك بجدية إزاء ما يُوصف بتحويل الدبلوماسية إلى «لعبة مافيا». فاستمرار الاحتلال، بحسب هذا الرأي، بات مرتبطاً بأساليب غير أخلاقية تُقوّض نزاهة المؤسسات الدولية.
ويرى كاتب المقال أن مستقبل الصحراء الغربية لا ينبغي أن يُرتهن لممارسات تقوم على شراء النفوذ والتلاعب بالنخب السياسية، بل يجب أن يُبنى على أسس العدالة، والشفافية، واحترام القانون الدولي. وقبل كل شيء، يؤكد أن الوقت قد حان لتمكين الشعب الصحراوي من نيل حقه المشروع في تقرير المصير.
دعم الصحافة الحرة
إن كرمكم يمكّننا من النهوض بمهمتنا والعمل من أجل مستقبل أفضل للجميع.
تركز حملتنا على تعزيز العدالة والسلام وحقوق الإنسان في الصحراء الغربية. نحن نؤمن بشدة بأهمية فهم أصل هذا النزاع وتعقيداته حتى نتمكن من معالجته بفعالية والعمل على إيجاد حل يحترم حقوق وكرامة جميع الأطراف المعنية.
إن كرمكم ودعمكم ضروريان لعملنا.
بمساعدتكم، يمكننا أن نرفع أصواتنا ونرفع الوعي بالوضع في الصحراء الغربية ونقدم المساعدة الإنسانية لمن يحتاجها وندعو إلى حل سلمي وعادل للنزاع.