back to top
14 يناير 2026

سياسة خارجية غائبة: تَيهُ الدبلوماسية الصحراوية في المشهد الدولي (الجزأ الأول)

جبهة البوليساريو غائبة عن كل التغيرات، الإقليمية و الدولية

تابع القراءة

افتتاحية


مدريد (ECS).— مبدئياً، من حقّ المواطن الصحراوي الاطلاع على حصيلة أداء إحدى أهم الوزارات في منظومة الدولة الصحراوية منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار، أي وزارة الشؤون الخارجية، التي ظلّت، على امتداد ما يقارب أربعة عقود، تعاني من اختلالات بنيوية حالت دون اضطلاعها الكامل بدورها المفترض بوصفها الرافعة الأساسية لترسيخ الشرعية الدولية لقضية شعب ما زال يطالب بحقه غير القابل للتصرف في تقرير المصير و الإستقلال.

الحنكة السياسية من غزة إلى «الرّابّوني»: المرونة الذكية كإستراتيجية لإدارة الصراع

فالوزارة، التي كان يُنتظر منها تعزيز الحضور الدولي والدفاع عن مكانة الجمهورية الصحراوية في المنظمات الإقليمية والدولية، فقدت مع مرور الزمن عدداً من أدوارها الجوهرية، وتعاني من ضعف واضح في مجالات حيوية تتطلب دينامية، تخطيطاً، وتجديداً مستمراً. وعند تقييم السياسة الخارجية بوصفها عنصراً حاسماً في مسار التحرر الوطني، يبرز واقع مقلق يعكس تراجعاً في التموضع الدولي، وتآكلاً في شبكة الاعترافات، في ظل استمرار أنماط تقليدية و قبلية في التسيير الدبلوماسي لا تستجيب للتحولات العميقة التي يشهدها النظام الدولي.

وتُظهر المؤشرات أن الدبلوماسية الصحراوية ظلت، إلى حدّ بعيد، أسيرة اعتبارات داخلية، من دون تجديد فعلي في الرؤية أو الأدوات، ما أفرز ممارسة دبلوماسية يغلب عليها الطابع الرمزي والبروتوكولي، وتفتقر إلى التخطيط الاستراتيجي والتأثير الملموس. وقد أدى ذلك إلى تضخم المظاهر على حساب النتائج، وإلى تغليب الخطاب الشعبوي على الفعل، الأمر الذي يجعل الحاجة إلى مراجعة شاملة وإعادة تأسيس حقيقية أمراً ملحّاً، تفادياً لانزلاق القضية الصحراوية إلى هامش الاهتمام الدولي، في ظل ضغط مغربي متواصل مع تجاهل دولي في تزايد.

ورغم أن العمل السياسي لا يُقاس دائماً بنتائج فورية، إلا أن غياب أي مكاسب دبلوماسية ملموسة خلال سنوات طويلة يطرح تساؤلات مشروعة حول فعالية الأداء الدبلوماسي لجبهة البوليساريو. فالدبلوماسية الصحراوية التي كانت في مرحلة سابقة نشطة، كفاحية، وتحظى بتقدير واسع في أوروبا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، باتت اليوم تعاني من تشتت في المهام وغياب الأولويات، وانحصار في أنشطة إدارية وروتينية، مثل تنظيم القوافل أو تنسيق الإقامات الصيفية أو إعادة إنتاج البيانات الرسمية، من دون ابتكار أو إسقاط دبلوماسي متناسب مع السياق السياسي الحالي، حتى في ظل ما يوصف بـ«حالة الحرب».

وبما أن السياسة الخارجية تُعد من الصلاحيات الأساسية لرئيس الدولة، فإن مسارها خلال العقود الثلاثة الماضية تأثر بعاملين رئيسيين: أولاً، تعثر تنفيذ اتفاق السلام لسنة 1991؛ وثانياً، الإخفاق في توسيع دائرة الاعترافات الدولية، أو على الأقل الحفاظ عليها ومنع تراجعها.

كما أخفقت الجهود الرامية إلى التأثير في مواقف فاعلين محوريين، مثل إسبانيا وفرنسا، عبر توظيف المجتمع المدني كأداة ضغط سياسي فعّال، إذ ظلّ هذا التفاعل محصوراً في البعد الإنساني، من دون تحويله إلى رصيد سياسي منظم. و ينطبق ذلك أيضاً على العجز المزمن في بناء شبكات ضغط دبلوماسي مستدامة في إفريقيا وأوروبا وآسيا والأمريكيتين.

وفي ظل هيمنة منطق “سياسة المظاهر”، جرى أحياناً تقديم المشاركة في الفعاليات متعددة الأطراف، أو التقاط الصور في مناسبات رسمية، على أنها إنجازات دبلوماسية، في حين أن هذا النهج لا يسهم سوى في تعزيز وهم الإنجاز، ولا ينعكس فعلياً على موازين القوى أو على اختراق المواقف الدولية.

وبعد مرور ثلاثة عقود على وقف إطلاق النار، ينعكس هذا القصور في جملة من المظاهر، من بينها: تراجع عدد الحلفاء الاستراتيجيين، تقلص الاعتراف الدولي، ضعف الحضور في المنظمات الدولية ذات الصلة بالنزاع، قصور إدارة العمل الدبلوماسي خلال المرحلة الجديدة من الصراع، ضعف تسيير شؤون الجالية والبعثات في الخارج، وتعثر إصلاح السلك الدبلوماسي من حيث بنيته ووظائفه و خطابه بما يتلاءم مع متطلبات الدبلوماسية الحديثة.

فقدان الحلفاء وتآكل الاعتراف الدولي

لقد ارتكز الدعم الدولي، في مرحلة معينة، على تحالفات ظرفية ارتبطت بسياقات أيديولوجية سائدة خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي. غير أن التحولات التي أعقبت نهاية الحرب الباردة، وتغير موازين القوى الإقليمية والدولية، أدت إلى تراجع تلك الاعترافات، من دون أن تُستبدل باستراتيجية جديدة قادرة على استيعاب الواقع الدولي المتغير. ونتيجة لذلك، تراجع عدد الدول المعترفة بالجمهورية الصحراوية من أكثر من 80 دولة في ذروة الاعترافات إلى نحو 36 دولة فقط بحلول سنة 2025.

وخلال العقدين الأخيرين، سحبت عدة دول اعترافها تحت تأثير ضغوط سياسية واقتصادية، لا سيما في إفريقيا وأمريكا اللاتينية، من دون أن تقابل هذه التحولات بردود دبلوماسية فعالة أو بخطط استباقية. كما لم تُحوَّل الاعترافات السابقة إلى تحالفات استراتيجية أو شراكات دائمة، ولم تُحمَ أو تُستثمر بالشكل الكافي.

ويعكس هذا الوضع غياب رؤية استراتيجية بعيدة المدى، قادرة على بناء تحالفات تتجاوز منطق التضامن الأيديولوجي التقليدي، نحو شراكات قائمة على المصالح المتبادلة. كما أن التغييرات التي طالت قيادة الوزارة لم تُفضِ إلى إحياء ملموس في الأداء أو إلى تحقيق مكاسب نوعية، ما يعزز الانطباع بأن الإصلاحات ظلت شكلية أكثر منها جوهرية. و في مختلف القارات، تتراجع الدبلوماسية الصحراوية حتى في الساحات التي كانت تُعد تقليدياً داعمة. ومع غياب سياسة واضحة للحفاظ على الحلفاء أو استرجاعهم، تقلص الاعتراف الدولي إلى دائرة محدودة من الدول ذات الوزن الجيوسياسي المضطرب، الأمر الذي يحدّ من القدرة على ممارسة ضغط فعّال داخل الهيئات متعددة الأطراف، ويجعل هذا الرصيد عرضة لمزيد من التآكل.

وفي الوقت الذي يواصل فيه المغرب تكريس سياسة الأمر الواقع عبر توسيع شبكة علاقاته الاقتصادية وفتح قنصليات في الأراضي المحتلة، لا يظهر ردّ دبلوماسي منظم أو استراتيجية مواجهة متكاملة لهذه التحركات، ما أدى إلى مفارقة لافتة تتمثل في تقارب عدد القنصليات المفتتحة مع عدد الدول المعترفة بالجمهورية الصحراوية. ويبدو أن مستوى الاعتراف الدولي عاد عملياً إلى ما كان عليه في أواخر سبعينيات القرن الماضي، ولكن في سياق دولي أكثر تعقيداً.

إشكالية التجديد وبنية العمل الدبلوماسي

إن طول مدة تولي حقيبة الخارجية من طرف الشخصية نفسها، وما رافقها من استمرارية في الأساليب، ساهم في تكريس نمط تقليدي في التسيير، يصعب معه إدخال إصلاحات هيكلية عميقة. وقد أفضى ذلك، رغم بعض النجاحات الظرفية، إلى اختلالات داخلية تمثلت في ضعف القيادة التنفيذية، محدودية الكفاءات التقنية، غياب آليات الشفافية والمساءلة، وتأخر تجديد السلك الدبلوماسي.

وعلى الصعيد الخارجي، لم تتمكن الدبلوماسية الصحراوية من التكيف مع النظام الدولي ما بعد الحرب الباردة، ولا من مواكبة التحولات المرتبطة بالدبلوماسية الرقمية، والاقتصادية، والثقافية، كما أُديرت المرحلة الجديدة من الصراع من دون إعادة توجيه واضحة لأولويات العمل الخارجي.

ومع تغير موقف المجتمع الدولي تدريجياً من دعم صريح لاستفتاء تقرير المصير إلى ترويج حلول بديلة، لم يُعاد تموضع القضية الصحراوية على الأجندة الدولية في اللحظات الحاسمة، ما أدى إلى جمود سياسي واكتفاء بردود فعل رمزية إزاء الانتكاسات المتلاحقة.

وفي سياق الحرب، تكتسب وزارة الخارجية في أي دولة بعداً وجودياً، غير أن ذلك يتطلب جهازاً مهنياً، هرمية واضحة، وسلسلة قيادة فعالة، وهي عناصر لا تزال تعاني من اختلالات، في ظل تداخل الصلاحيات، وضعف آليات التقييم والمساءلة، ومحدودية النشاط الدبلوماسي خارج بعض الدوائر التقليدية.

وعليه، فإن غياب فرق متخصصة في الاستشراف والاستراتيجية، وافتقار الوزارة إلى مؤسسات تكوين دبلوماسي، وأجهزة لجمع المعلومات وتحليل الرأي العام الدولي، يحول دون بلورة سياسة خارجية فعالة ومتكاملة.

و في الأخير، إن عدم إعادة تعريف دور وزارة الشؤون الخارجية الصحراوية، وتجديد بنيتها وأدواتها وخطابها، سيُبقيها عاجزة عن أداء وظيفتها التاريخية، ويجعلها جهازاً محدود الأثر في معركة دبلوماسية تتطلب نفساً طويلاً، رؤية حديثة، وإرادة إصلاح حقيقية.

دعم الصحافة الحرة

إن كرمكم يمكّننا من النهوض بمهمتنا والعمل من أجل مستقبل أفضل للجميع.

تركز حملتنا على تعزيز العدالة والسلام وحقوق الإنسان في الصحراء الغربية. نحن نؤمن بشدة بأهمية فهم أصل هذا النزاع وتعقيداته حتى نتمكن من معالجته بفعالية والعمل على إيجاد حل يحترم حقوق وكرامة جميع الأطراف المعنية.

إن كرمكم ودعمكم ضروريان لعملنا.
بمساعدتكم، يمكننا أن نرفع أصواتنا ونرفع الوعي بالوضع في الصحراء الغربية ونقدم المساعدة الإنسانية لمن يحتاجها وندعو إلى حل سلمي وعادل للنزاع.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع القراءة

آخر الأخبار