back to top
31 يناير 2026

إلى أين تتجه جبهة البوليساريو؟

¿فهل يُعقل انتظار أن تُنجز هذه القيادة في السنوات المقبلة ما عجزت عنه خلال العقود الثلاثة الماضية؟

تابع القراءة

إفتتاحية | تحليل | شمال إفريقيا – الصحراء الغربية


مدريد (ECS).— بعد مرور خمسين عاماً على تأسيسها، تمرّ جبهة البوليساريو بأزمة مؤسساتية عميقة، ذات تداعيات خطيرة على الأمن الداخلي، والاستقرار السياسي، و الاستمرارية لحركة تحرير تمثل شعب بأكمله. ويتجلى التآكل التدريجي لشرعيتها في غياب آليات التداول على السلطة، و في تركّز القرار بيد نخبة قيادية تاريخية منغلقة على ذاتها و غير قابلة للمساءلة، إضافة إلى اتساع الفجوة بين حركة تحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب وقواعدها الشعبية.

إن استمرار النموذج السياسي الحالي داخل جبهة البوليساريو، القائم على ديمومة “الحرس القديم” في السلطة، يشكّل خطراً حقيقياً على القضية الصحراوية، ليس فقط من زاوية فقدان الشرعية، بل بوصفه تهديداً مباشراً لبقائها البنيوي. فشروط الانقسام الداخلي والانهيار المؤسسي باتت قائمة، مع ما قد يترتب على ذلك من عواقب وخيمة. ولا سبيل لتفادي المسار التصادمي الذي تسلكه القيادة الحالية إلا عبر إصلاح عميق يعيد توجيه البوصلة و يأخذ بالحسبان التغيرات التي تعصف بعالم اليوم.

تراجع دبلوماسية البوليساريو: من الفعل السياسي إلى وهم الإنجاز

الشعب الصحراوي يدفع فاتورة فشل قيادة غير مسؤولة و يدفع شبابه ثمن ذالك

طوال سنوات عديدة، بل لعقود تزيد على الثلاثة، تحمّل الصحراويون بصمت، وبأقصى درجات التعقّل وحسن النية، ومن أجل مصلحة قضيتهم، القرارات المتخبطة والتصرفات غير المسؤولة لقيادتهم، غير أنهم اكتشفوا بخيبة أمل أن تلك القيادة لا تتعلم من أخطائها. تعيش قيادة جبهة البوليساريو وضعاً معقّداً إلى حد يستحيل معه بلورة خط عمل واضح أو استشراف المستقبل، نتيجة العجز، والتيه، وانعدام الإرادة، وضعف التكوين، لدى أعضاء متحصنين في مناصب تحولت، على نحو مأساوي، إلى وسائل عيش حتى و إن كانت غير شرعية.

وإن كانت الأزمة الراهنة ناتجة جزئياً عن التصادم بين ركيزتين أساسيتين في النزاع، هما القانون الدولي والواقعية السياسية، فإن قرارات وممارسات قيادة جبهة البوليساريو أبعدتنا أكثر عن الاستقلال، وأضعفتنا سياسياً إلى حدود الشلل.

مع التوقيع المربك على اتفاق وقف إطلاق النار، أُغلق فصل وبدأت الأزمة تتسلل ببطء. ارتُكبت ثلاثة أخطاء استراتيجية جسيمة: أولها قبول وقف إطلاق النار مع عدو في ظرف كان مواتياً كلياً لمصالح الشعب الصحراوي. ثانيها القبول بالاستفتاء كحل لاحتلال عسكري دموي، مانحين المغرب حقاً زائفاً في نزاع غير مشروع. أما الخطأ الثالث، والأشد فتكاً بعواقبه، فتمثّل في عدم استئناف الكفاح المسلح بعد انقضاء المهلة المحددة لإجراء الاستفتاء سنة 1992، إذ كان وقف إطلاق النار مشروطاً بذلك. أخلّ المغرب والأمم المتحدة بالتزاماتهما تجاه الشعب الصحراوي والمجتمع الدولي، غير أن جبهة البوليساريو لم تستأنف القتال، واكتفت بالتحذير، وهو ما فُسّر ضعفاً، لتبدأ مرحلة الجمود و الثراء التي ما زالت مستمرة حتى اليوم.

منذ تأسيسها في 10 مايو/أيار 1973، لم تعرف جبهة البوليساريو أزمة مؤسساتية تهدد سلطتها ونفوذها كما هو الحال في السنوات الأخيرة، حتى خلال أحلك سنوات القمع في ظل النظام المغربي. فمخططات الرباط ومؤامراتها السياسية المتعاقبة لم تُقوّض مستقبل ووجود الشعب الصحراوي كما فعلت الإدارة الكارثية الحالية على مختلف المستويات. وبعد خمسين عاماً، ومع بقاء المجموعة القيادية ذاتها في مواقعها، تبدو الجبهة اليوم ذابلة وغير قابلة للتعرّف؛ فقد تآكلت مصداقيتها، وقدرتها على التعبئة، ونفوذها، و تعاطف المجتمع والدولي معها، نتيجة ممارسات طائشة تحجّرت مع تعطيل التداول على السلطة من قبل من حوّلوا قضية وطنية إلى مشروع شخصي.

اليوم، وبمرارة، يمكن الجزم بأن جبهة البوليساريو أهدرت معظم مكاسب العقود الماضية، رغم احتفاظها بالقيادات نفسها، التي تجاوز كثير منها الثمانين من العمر، والتي ناضلت يوماً نضالاً قل نظيره لتحقيق تلك المكاسب. إن غياب برنامج سياسي، وخارطة طريق واضحة، واستراتيجية محددة، مع العجز الظاهر في لحظة مصيرية تمر بها القضية الصحراوية، كلها عوامل تكشف بوضوح المسؤولين الحقيقيين عن هذا الوضع المتردي.

المؤتمر السادس عشر: القشة التي قصمت ظهر البعير

انعقد المؤتمر السادس عشر لجبهة البوليساريو في يناير/كانون الثاني 2023، وهو الأول خلال ما سُمّي بالحرب الثانية، وقد جرى في ظل خطاب تعبوي يركّز على المواجهة مع المغرب والوحدة الوطنية. ومع ذلك، شعر كثير من الصحراويين باليتم السياسي بعد صدور نتائجه. ويُظهر أرشيف مؤتمرات الجبهة نمطاً ثابتاً: خطاب قومي متشنج قبل المؤتمر وخلاله، ثم ممارسات تناقضه جذرياً بعد انتهائه. غير أن التوقعات كانت مرتفعة هذه المرة، في ظل الظروف القائمة، لحدوث “صدمة تصحيحية”. لكن ما حدث كان العكس تماماً؛ إذ عمّت مشاعر الاستسلام وخيبة الأمل والعجز مئات البيوت والخيام الصحراوية في المخيمات، والأراضي المحتلة، والشتات، بعدما تبيّن أن وعود التغيير التي أطلقها الأمين العام، السيد براهيم غالي، لم تكن سوى كلام للاستهلاك، كما يقول المثل: “الوعود لا تُلزم إلا من يصدقها”.

وبعد إعلان القوائم، اتضح أن “التغيير” لم يكن سوى حلقة جديدة من تدوير الوجوه ذاتها، بل وإعادة إحياء شخصيات سياسية محدودة الشرعية والفائدة إضافة إلى أسماء أتت بها القرعة القبلية. وبعد مرور ثلاث سنوات على هذا المؤتمر، لا تكاد تُذكر نتائجه على أرض الواقع، بل العكس؛ هناك أزمة كبيرة حتى على مستوى هرم السلطة.

يُطرح هنا سؤال جوهري: هل المؤتمر مؤتمر شعب أم مؤتمر أشخاص؟ تبرز في الأفق إشكاليتان أساسيتان: دورية الانعقاد، والخلل الديمقراطي في نظام الانتخاب.

جبهة البوليساريو تفشل في تجديد الخطاب وتظل حبيسة سرديات قديمة لا تتماشى مع التحولات القائمة

إن عقد المؤتمر كل ثلاث سنوات لا معنى له، إذ لا يمكن مساواة تقييم السياسات العمومية بالانتخابات الرئاسية. وفي حالات الجمود الطويل، كما هو حال النزاع الصحراوي، يصبح من الأجدى اعتماد فترات أقصر تسمح بتقييم تنفيذ البرامج، وتصحيح المسار، بل ومساءلة وعزل المسؤولين وفق معايير الكفاءة والنتائج.

أما الخلل الديمقراطي، فيكمن في تركيبة المؤتمرين وآلية تعيينهم. فغالبيتهم أعضاء بحكم مناصبهم الحكومية أو الحزبية في الجبهة، فيما لا يُنتخب ديمقراطياً سوى عدد محدود. هذا النظام يخلق تضارب مصالح بين تطلعات الشعب الصحراوي ورغبة الحرس القديم في البقاء في السلطة، حيث يُقيَّد تصويت المؤتمرين بالخوف “الاعتباري” أولاً، وبالاعتبارات القبلية ثانياً. وهكذا يُضمن غياب أي إصلاح يهدد مصالح النخبة، وتُكرَّس ديمومة الحكم. إن تكرار النتائج نفسها في أغلب المؤتمرات دليل على تجاهل مطالب التجديد، بل وحتى معايير الكفاءة والتأهيل المطلوبة في هذه المرحلة الحساسة.

لقد تاهت جبهة البوليساريو بين خطابات مملّة وتقييمات شكلية لا تلامس جوهر التحديات في عالم متغيّر، تتعدد فيه الجبهات والتهديدات، ويتطلب قدرة عالية على التكيف والمواجهة.

بعد خمسين عاماً في السلطة، تكشف الحالة الراهنة أن قيادة الحرس القديم باتت العائق الأكبر أمام إحراز أي تقدم أو إختراق. فقد قاومت بشراسة الإصلاحات التي طالب بها الشعب الصحراوي، و خاصة الشباب، ورفضت أبسط قواعد التداول على السلطة؛ فأتت بشباب على المقاس، ما أدى إلى إحباط الروح النضالية، وتشجيع الانشقاقات، وتقويض الحماسة الثورية على المدى الطويل، رغم الوعي العميق للشعب بقضيته. ومن الطبيعي أن يعزف المواطن الصحراوي عن الانخراط في حركة تحرير تقودها نخبة عاجزة، فاقدة للمبادرة، غارقة في الفساد، وعديمة الإرادة في التغيير.

عوامل الخطر المحددة

– الهشاشة المؤسسية: أدى غياب الإصلاحات البنيوية إلى شلل في اتخاذ القرار. تعمل الأمانة الوطنية لجبهة البوليساريو، باعتبارها أعلى هيئة سياسية، وفق منطق قبلي غير تمثيلي، ما يقوض شرعيتها. كما أن تكريس الحرس القديم كطبقة حاكمة دائمة حال دون تجديد الكوادر التقنية والسياسية.

– تآكل رأس المال الاجتماعي: إن غياب المبادرة، وندرة النتائج، وانعدام المحاسبة، إلى جانب وعود الإصلاح المتكررة وغير المنجزة، كلها عوامل عمّقت العزوف السياسي، ووسّعت الهوة بين القيادة والصحراويين في المخيمات، والأراضي المحتلة، والشتات، ما ينذر بمزيد من الانشقاقات الداخلية، و خاصة على مستوى القيادة و النخبة.

– الاستيلاء المؤسسي: تبدو البنية الداخلية الحالية للجبهة خاضعة لاستيلاء شخصيات مستفيدة من بقاء الوضع القائم، ما يحدّ من قدرتها على التكيف مع التحديات الجيوسياسية، ويعيق بناء سياسة أمن وطني حديثة وفعالة.

– أزمة الشرعية: رغم متانة الأساس القانوني للقضية، فإن استمرار قيادة متقادمة بلا رؤية واضحة يضعف الاعتراف السياسي بحق الشعب الصحراوي، ويقلص تأثيره في المحافل الدولية، مهدداً بعزل الجمهورية الصحراوية دبلوماسياً أمام خطاب مغربي خشن أكثر حضوراً وتنظيماً.

إلى أين تتجه جبهة البوليساريو؟

لا يجسّد أي مسؤول في حكومة إبراهيم غالي اليوم روح التغيير التي يطالب بها الشعب الصحراوي. ¿فهل يُعقل انتظار أن تُنجز هذه القيادة في السنوات المقبلة ما عجزت عنه خلال العقود الثلاثة الماضية؟ الوجوه ذاتها تتناوب على السلطة منذ نصف قرن. نظرة واحدة إلى الأمانة الوطنية في تسعينيات القرن الماضي تكشف أن الأسماء لم تتغير. ¿فما الذي يمكن أن يقدمه من استنفد كل المناصب وبات في نظر الرأي العام “عالة سياسية”؟

مطلوب من هذه القيادة الصحراوية اليوم، وبإلحاح، لإظهار الشجاعة والقدرة على الصمود، واغتنام فرصة أخيرة لتصحيح مسار بالغ الضرر باشعب أعزل أتى من كل مشارب الأرض. يريدوا الصحراويون أن يروا أن الالتزام بالقضية الوطنية، والمسؤولية السياسية، والوفاء، و التضحية الثورية، ما زالت قيمًا موجِّهة لعمل قيادة الجبهة، وعلى رأسها أمينها العام. فلا يمكن لشعب بأكمله أن يقبل استمرار قرارات فاشلة بلا محاسبة.

لا أحد يدافع عن بقاء هذا الجمود. الجميع يطالب بالإصلاح، ويجب أن يطال التغيير الجميع بلا مواربة. فالتجديد ممكن وواقعي، بالاستناد إلى مجتمع شاب، وإلى نسبة عالية من المتعلمين، ما يسمح بانتقال سياسي سلس قائم على الكفاءة والخبرة. وحدها هذه الدينامية كفيلة بإحياء الفعل السياسي وإعادة شحن الصراع بزخم جديد. أما إذا استمر تأجيل الإصلاح، فإن شرعية القيادة، المتآكلة أصلاً، ستتآكل أكثر، لتتحول إلى عامل عدم استقرار بين الدولة و الشعب. و السؤال الجوهري هو: ¿كيف يمكن فرض مكاسب سياسية أو عسكرية في ظل تفكك النسيج الاجتماعي، الذي كان دائماً سلاحاً حاسماً في معاركنا؟ إن خسارة هذه الورقة تعني التفريط في جوهر الإنجازات ووقود القضية نفسها.

دعم الصحافة الحرة

إن كرمكم يمكّننا من النهوض بمهمتنا والعمل من أجل مستقبل أفضل للجميع.

تركز حملتنا على تعزيز العدالة والسلام وحقوق الإنسان في الصحراء الغربية. نحن نؤمن بشدة بأهمية فهم أصل هذا النزاع وتعقيداته حتى نتمكن من معالجته بفعالية والعمل على إيجاد حل يحترم حقوق وكرامة جميع الأطراف المعنية.

إن كرمكم ودعمكم ضروريان لعملنا.
بمساعدتكم، يمكننا أن نرفع أصواتنا ونرفع الوعي بالوضع في الصحراء الغربية ونقدم المساعدة الإنسانية لمن يحتاجها وندعو إلى حل سلمي وعادل للنزاع.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تابع القراءة

آخر الأخبار